إسناد الاقتصاد الوطني في قضايا الشيكات
إن استمرار الحصار المشدد الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ سنوات طويلة، بالإضافة إلى الإجراءات العقابية التي فرضتها السلطة الفلسطينية على أبناء القطاع، والتي تمثلت في الخصم من رواتب الموظفين العموميين وإحالة البعض للتقاعد المبكر، والتضييق على التعاملات المالية والبنكية في القطاع، أدى ذلك كله إلى تنامي ظاهرة الشيكات المرجعة في قطاع غزة، والتي سجلت ارتفاعاً متزايداً في عدد القضايا للعام الماضي 2018 م بالمقارنة مع الأعوام السابقة لتعكس مدى تراجع الاقتصاد الفلسطيني، كما أثرت بشكل سلبي على التعاملات البنكية بسبب ضعف السيولة النقدية، الأمر الذي انعكس على الثقة بين التجار والجهاز المصرفي بشكل عام، وبالتالي عدم تحصيل الشركات و المنشآت لمستحقاتها المالية في موعدها والتي أضرت بالانتاج وقادت بعضها إلى توقف عملها وإغلاق منشآتها.
// سياسة الاستئخارات المدروسة// :
هي مجموعة الإجراءات التي اعتمدتها النيابة العامة في قضايا الشيكات خاصة وفي جرائم الأموال عموماً وذلك بهدف مساعدة التجار ورجال الأعمال والموظفين المدنيين في تسديد القضايا المقدمة بحقهم في النيابة العامة بشكل يتناسب مع ظروف الأزمة المالية التي يمر بها قطاع غزة منذ عامين تقريباً.
>> الأساس القانوني لسياسة الاستئخارات المدروسة:
منح القانون سلطة تقديرية للنيابة العامة في اجراء التوقيف الاحتياطي لغايات التحقيق والحفاظ على أدلة الجريمة, وتلجأ اليه عادة في حال ثبوت التهمة بقصد "الضغط القانوني" على المتهم لأداء الالتزام المدني المستحق في ذمته لدائنه المشتكي.
تعمد النيابة العام إلى استئخار هذه الإجراءات بما لدى عضو النيابة العامة من صلاحية قانونية لإعطاء المدين (ساحب الشيك) فرصة لإبداء جديته في السداد.
وللنيابة العامة إثبات الصلح الجزائي بين المتهم والمجني عليه ويترتب عليه إنقضاء الدعوى الجزائية وحفظها استناداً لقانون الصلح الجزائي لسنة 2017، ويكون ذلك الانقضاء وجوبياً في قضايا الشيكات استناداً لقضايا التجارة لسنة 2014.
>> إجراءات النيابة العامة المتبعة لتطبيق سياسة الاستئخارات المدروسة:
1.تملك النيابات الجزئية المختصة بالتحقيق صلاحية منح المتهم فرصة لمدة شهر (متواصلة أو متقطعة) وذلك لإثبات الجدية في متابعة وإنهاء شكاوى الشيكات المقدمة بحقه أمامها .
2. يكون إثبات الجدية بعدة وسائل تتمثل في:
- تسديد قيمة بعض الشيكات المقدمة.
- الاتفاق مع الدائن لإعادة جدولة هذه الشيكات.
- عقد اتفاق تسوية ومصالحة مع الدائنين أو بعضهم.
3. في حال لم يقم المدين بإثبات الجدية الكافية فليس للنيابة الجزئية أن تمدد مهلة الاستئخار سوى بقرار من النائب العام ولمدة شهر إضافي وفق المعطيات و الظروف المنطقية والواقعية.
4. تحرص النيابة على حفظ حقوق الدائن من خلال بعض الإجراءات القانونية التحفظية كمنع المدين من السفر في حال كانت المبالغ المالية كبيرة أو تكليفه بتقديم كفلاء وضمانات شخصية أو مالية كافية والتشبيك مع مؤسسات القطاع الخاص، مثل ( النقابات / الاتحادات الصناعية / الغرف التجارية / جمعيات التجار ورجال الأعمال / غيرها ) وأسهم ذلك في استثمار أدوات هذه المؤسسات في مساعدة النيابة العامة نحو التحرك الإيجابي تجاه منتسبيها للوصول إلى حلول ودية تحفظ الحقوق وتراعي الظروف العامة.
5. أٍسهمت سياسة الباب المفتوح وتدقيق المظالم في حل العديد من القضايا المالية بين أطراف الدعاوي المختلفة وذلك بعد إجراءات الحلول الودية التي تتم برعاية رؤساء ووكلاء النيابة في المحافظات بالإضافة إلى ديوان النائب العام.
>> تراعي النيابة العامة خلال إجراءات تنفيذ سياسة الاستئخارات المعايير التالية:
1. التفرقة بين المدين المعسر بسبب الظروف الاقتصادية العامة, وبين المحتالين وأصحاب السوابق الجنائية في القضايا المالية, بحيث يستثنى الصنف الثاني من الاستفادة من هذه السياسةوالاجراءات.
2. الموازنة بين حقوق الدائنين وظروف المدينين.
3. مراعاة عدم تأثير الإجراء القانوني بحق المدين على الوضع الاقتصادي العام.
>> أثر سياسة الاستئخارات المدروسة على تسديد قيمة الشيكات:
نجحت سياسة الاستئخارات المدروسة ونهج النيابة العامة في التوفيق بين حقوق الدائن وظروف المدين في زيادة قيمة الأموال المسددة في قضايا الشيكات الواردة في العام 2018 وذلك إذا ما تم مقارنتها بالأموال المسددة في العام 2017 قبل اتباع هذه السياسة.
فحسب الإحصائيات بلغت نسبة الأموال المسددة في عام 2018 بعملة الدولار 78% بينما بلغت 63% في العام 2017، كما بلغت نسبة الأموال المسددة بعملة الشيكل 75% في العام 2018 بينما بلغت نسبتها 58% في العام 2017 .
وبمقارنة إجمالي الأموال المسددة بالعملات الثلاث المتداولة في قطاع غزة بقيمة الأموال في القضايا الواردة خلال السنوات الثلاث الماضية يتبين لنا أنها بلغت 73% في العام 2018، في حين بلغت 59% في العام 2017، فيما بلغت 83% في العام 2016 قبل حلول الأزمة الاقتصادية الراهنة.
وسجلت محافظة غزة - باعتبارها مركز الثقل التجاري والاقتصادي- زيادة ملحوظة في التسديد مقارنة في المحافظات الأخرى، حيث نجح أصحاب الشركات ورجال الأعمال بتسديد أموال تساوي قيمة الأموال في القضايا الواردة في العام 2018 كاملة، بالإضافة إلى جزء من قيمة الأموال في القضايا المتراكمة في الأعوام 2017 و 2016.
فحسب الإحصائيات بلغت نسبة الأموال المسددة في العام 2018 في محافظة غزة بعملة الدولار 151% من قيمة الأموال الواردة في السنة نفسها، بينما بلغت بالشيكل 131% وبالدينار 124%.