قتلوا والدهم مرتين!!


قتلوا

خيم جو من الفوضى داخل محكمة بداية غزة حينما دقت عقارب الساعة العاشرة صباحا معلنة بدء انعقاد الجلسات للنطق بالحكم، نظرا لتكدس عشرات الملفات على طاولة القضاة تنتظر البت فيها، بينما أصحابها بقوا خلف القضبان الحديدي ينتظرون دورهم .

بعد ساعة من إصدار الحكم على بعض القضايا نادى حاجب المحكمة رقم القضية التي يطرحها ملفنا القضائي لهذا العدد… ” جريمة قتل” شارك فيها أربعة أشخاص، اثنين منهم  أبناء المغدور والآخران أولاد شقيقه، حيث أن أحدهم يكون زوج ابنته، فقد اتهموه بممارسة فعل منافي للحياء مع أختهم.

وقبل أن يبدأ محامو الدفاع في تبرير فعلة الجناة دخلت القاعة امرأة متشحة بالسواد يقارب عمرها ( 50 عاما) تتنهد وتصرخ ” حسبي الله ونعم الوكيل أولادي مظلومين” ، حينها أسكتها القاضي ليسمع قول الدفاع والنيابة .

وما هي إلا لحظات حتى جاء الحكم على لسان القاضي قائلا :” باسم الشعب الفلسطيني حكمت المحكمة على المتهم الأول وهو ابن المغدور بعقوبة الإعدام، بينما الثاني زوج الفتاة عشر سنوات ، والمتهمين الثالث والرابع سنتين “.

ست عشر طعنة

تفاصيل القضية تعود إلى أربع سنوات عندما قام ” الجناة”- الأبناء برفقة أولاد عمهم-، بطعن والدهم أثناء استعداده لصلاة الفجر ست عشرة في أماكن متفرقة من جسده.

وبحسب التحقيقات التي اطلعت عليها ” الرسالة نت”، وجدت دافع الجناة للقتل هي كلمات والدتهم التي استفزتهم بقولها” لو فيكم رجال كان ما صار الشيء ، النسوان أرجل منكم” فقد وقعت عليهم كالصاعقة ، لذا ثأروا لشرفهم دون التأكد من صحة الكلام.

ومن بين سطور القضية كان هناك تناقض فابنة المغدور ادعت أن والدها كان يمارس معها الفاحشة وهي في سن الثالثة عشرة، لكن شقيقتها التي كانت تنام معها نفت ذلك، لذا اصطحبتها أمها وأحد  إخوانها إلى الطبيب الذي أكد كلام اختها… وبعد مرور ست سنوات تزوجت من ابن عمها دون أن يلاحظ شيئا عليها.

وخلال التحقيقات تبين أن الأم والمغدور كانا منفصلين حينما كان أبناؤهما صغارا، ما دفع والديهما للزواج مرة اخرى.

ويشير التقرير الطب النفسي المرفق في ملف القضية أن الفتاة -التي اتهمت والدها- تعاني من اضطرابات نفسية، لذا باتت تتفوه بمثل تلك الادعاءات، ما جعل والدتها تسجل أقوالها على أشرطة كاسيت وترسلها إلى الشرطة بدلا من التستر على ابنتها.

يذكر أن الأم سجنت ما يقارب الشهر للتحقيق معها في احدى القضايا  لكن أفرج عنها لعدم وجود إثباتات كافية تدينها في القضية.

الحقد الأعمى

قراءة تلك القضية لمن يكن أمرا سهلا نظرا لتشابك تفاصيلها وتناقضها، لذا وضعتها على “الرسالة” أمام رئيس محكمة بداية غزة اشرف فارس للتعرف على رؤية القانون فيها، فذكر أن التحقيقات أكدت أن المغدور رجل متدين وذو سمعة طيبة  بشهادة الجميع”.

وقال ” النيابة عرضت البنت على لجنة من الطب النفسي فتبين أنها تعاني اضطرابات في السلوك وتبلد في العواطف ولا تدرك الحكم على بعض الأمور، لذا لا يؤخذ بأقوالها”.

وتعجب القاضي من تسجيل الأم كلام ابنتها وهي تفتري على والدها  قائلا :” ما فعلته يدلل على أن في نفسها شيء ما، لأنه من الطبيعي في تلك الحالة أن تتستر الأم على ابنتها بدلا من اللجوء للتسجيل لاسيما وأنها متزوجة”  .

وبحسب القاضي استغلت الأم العلاقة السيئة بين الأولاد ووالدهم وأثارتهم لقتله، لافتا إلى وجود تناقض في أقوال الأبناء، فتارة كانوا يدعون أن والدهم ذا سلوكيات سيئة، وتارة أخرى يبدون ندمهم وتسرعهم مؤكدين انه رجل مؤمن ولا يمكنه فعل ذلك.

وفيما يتعلق بالحكم الصادر أكد فارس، أن القضاء لم ينطق بالحكم إلا بعد تمحيصه للأوراق وأقوال الشهود حتى وصل للحكم الذي صدر عنه بصورة مطمئنة ومقنعة.

أما الأم المحرضة التي لم يثبت تورطها، فذكر لـ”الرسالة” موقفا حدث في قاعة المحكمة بعد مرور شهر على القضية عندما استفسر القاضي عن صلة القرابة بين متهم يحمل نفس اسم عائلة الأم،  فرد هذا المتهم بأنها أخته لكنه لا يعرف شيئا عنها منذ عشرين عاما.

تعجب من في القاعة من رد المتهم وسارع القاضي بالقول :” طمأنتنا ” حتى ضحك الحضور ، لكنه لم يقصد وقتها الاطمئنان على حالها بل على أنهم لم يظلموا أحدا والعقوبة التي صدرت ليست ظالمة.

بيئة الإجرام

وعلى الصعيد النفسي تحدث الاخصائي اسماعيل ابو ركاب، أن القضية المطروحة لها علاقة بتربية الام لأبنائها بطريقة الشاذة،  مبينا أن اي انسان عند ممارسته لأي فعل شاذ يصبح عادة في سلوكياته.

وحول السبب الذي جعل الام تسجل أقوال ابنتها، يرى الاخصائي النفسي أن النفس البشرية تتكون عند الانسان من السلوك الشعوري واللاشعوري حيث أن الاخير ربما دفع الأم للنفور من ابنائها مما جعلها تبوح بأسرارهم لضغط وقع عليها.

وعن الدوافع التي جعلت الابناء يقتلون والدهم  فور استثارتهم من قبل امهم، اوضح أن ما وقع ناتج عن الثقافة التي تحكم المجتمع، حيث انها ولدت السلوك اللاإرادي لشيء يبغضه المجتمع ، مبينا أن التفكير السريع كان يسيطر على الابناء للتخلص من فرد واحد بدلا من تدمير اسرة كاملة.

وبحسب ابو ركاب فإن الام دائما تمتلك قدرة التلاعب في عواطف ابنائها، لافتا إلى أن الابناء في قضيتنا انتقلوا من العواطف للسلوك مباشرة متجاوزين التفكير لأنها تتعلق بالشرف.

وبعد عرض قضيتنا لهذا العدد هي دعوة توجهها “الرسالة نت” لأولياء الامور بالمحافظة على بيوتهم وصونها والابتعاد عن مواطن الشبهات خشية الوقوع في مستنقع الرذيلة والاكتواء بنار العار.