قتل زوجته بمبيد حشري


1366

بعد أن احتد الخلاف بين شاب في مقتبل عمره وزوجته الصغيرة قررت الأخيرة الفرار من البيت إلى أهلها شاكية باكية حالها محتضنة طفلتها الرضيعة، فهي لم تعد تحتمل العيش برفقة عائلته الكبيرة ذات السلوكيات السيئة، لاسيما أنها كانت تتعرض للضرب على أيديهم.

وخلال مكوث الزوجة في بيت أهلها رفعت قضية طلاق على زوجها لتنال حقوقها، فلم يرق الحال لزوجها و أراد الانتقام منها فتزوج بأخرى، إلا أن الضغوط ازدادت عليه.

ولكي يتخلص الزوج من الضغوط المالية التي تلاحقه قرر إعادة زوجته الأولى بدلا من دفع مهرها المؤخر والنفقة الخاصة بها، حتى نال ما أراده بمساعدة بعض المقربين .

عادت الزوجة إلى بيت زوجها راضية بالوضع الجديد وسكنت في الغرفة المجاورة لضرتها، حيث لاقت دلالا غير معهود من قبل أهل البيت دون أن تدرك ما تضمر صدورهم من سوء لها.

وبعد شهر من عودتها قدّم لها زوجها عصير الليمون مخلوطا بمادة سامة قاتلة -مبيد حشري فسفوري- وما إن شربته حتى باتت تتلوى أمامهن، وأخذت روحها تفارق جسدها شيئا فشيئا دون أن يهتز له بدن.

مثيرة ومضحكة

نقل الشاب العشريني زوجته بمساعدة أخيه إلى المستشفى لتسجيلها حالة وفاة عادية، لكن ذكاءه خانه وعُرضت الضحية على الطب الشرعي الذي أثبت أن وفاتها كانت نتيجة تناولها السم مما أدى إلى توقف جهازها التنفسي.

وبعد أن علمت الشرطة بالجريمة حققت في القضية، واعترف الزوج بقتل زوجته من أول سؤال وجه إليه، زاعما القتل على خلفية الشرف.

ولم تكتف الشرطة والنيابة بأقوال الزوج، وحققت مع جميع أفراد الأسرة وادعى شقيق زوجها الشاب بأنها كانت تلاحقه و تتحرش به؛ لكنه لم يبلغ أخيه، إضافة إلى أن والد زوجها شهد في التحقيقات وقال إنه رأى زوجة ابنه في خيمة على شاطئ البحر بصحبة رجل غريب.

والشهادة التي أثارت ريبة وضحك المحققين، كانت ادعاء والدة زوج المغدورة بأنها طرقت في إحدى المرات باب غرفة “كنتها”، ووجدت رجلين غريبين معها في وضع مخل، وحينما سألتها من هؤلاء، ردت عليها قائلة: ” لا تتدخلي  في أموري الخاصة”، حينها عادت الحماة إلى استكمال إعداد الخبز لأبنائها ولم تخبر زوجها.

وحينما وجه المحقق سؤالا للحماة: “لماذا لم تبلغي ابنك؟” أجابت قائلة: “هي طلبت مني عدم التدخل بخصوصياتها”.

من المؤبد إلى الإعدام

وبعد انتهاء الشرطة والنيابة من التحقيقات عُرضت القضية على القضاء، ومع موعد مثول المتهم أمام القضاء حضر إلى قاعة المحكمة مكبلا بالأصفاد، برفقة شرطيين، وزج في قفص الاتهام .

ووقف المتهم أمام القاضي متوقعاً نيل البراءة والاكتفاء بالمدة التي قضاها في السجن وهي خمس سنوات كونه قتل على خلفية الشرف.

نادى حاجب المحكمة على رقم “ملف قضيتنا”، وبعد تلاوة التهم على الشاب اشمأز الجمهور الحاضر في القاعة. تقدم محامي المتهم مدافعا بالقول:” سيدي القاضي إن موكلي أقدم على الفعلة بدافع الشرف كما أنه ليس من أصحاب السوابق، لذا اطلب من المحكمة تخفيف الحكم والأخذ بالاعتبار وجود طفلة صغيرة يرعاها”.

وعلى الرغم من ذلك، طالب وكيل النيابة بإيقاع اقصى عقوبة مقدرة قانونا بحق المتهم وهي “الإعدام شنقا”.

وبعد سماع الشهادات حول ملف القضية اطلعت المحكمة على الأوراق و تبين  لها أن المتهم اقر بارتكاب واقعة قتل زوجته بالسم، وادعى انه فعل ذلك بدافع الشرف، زاعما بأنها “سيئة السمعة”.

وأوضحت المحكمة أنه رغم شهادة أسرته لتأكيد زعم ابنهم، إلا أن ما طرح من قبلهم لا يتوافق مع المنطق والعقل ولا طبيعة الأمور .

وتساءلت المحكمة: “كيف يمكن لشاب تتحرش به زوجة أخيه لا يخبر أخاه ؟!، وكيف بالحمى يرى زوجة ابنه في خيمة على شاطئ البحر مع رجال لا تتحرك فيه نخوة ولا مروءة؟!، وأقل القليل أن يخبر ابنه “زوجها”، وثالثة ينافي قول الحماة ترى زوجة ابنها وفي أحضان رجل غريب ولا تحرك ساكنا؟”.

وبعد جملة من التساؤلات  نطق القاضي بالحكم:” باسم الشعب الفلسطيني، حكمت المحكمة على المتهم بالحبس المؤبد مع الأشغال الشاقة “، لكن بعد صدور الحكم وعرضه على محكمة الاستئناف استبدل الحكم بالإعدام .

ووفق مصادر خاصة فإن ما وقع كان خطة مدبرة من قبل الزوجة الثانية، فهي من وضعت السم لضرتها، وعندما علمت الشرطة طلب أحد رجال المباحث في عهد السلطة السابقة من الزوج أن يحمل القضية بدلا من زوجته التي كان له علاقة معها، حيث وعد الزوج بمساعدته وإطلاق سراحه بعد اشهر قليلة، وطمأنه بأنه سيخرج براءة؛ لأنه دافع عن شرفه، لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن.

استعمال السم

وتعقيبا على الحكم الصادر قال رئيس محكمة بداية غزة “أشرف فارس” :” بعد سماع المحكمة للبينات تأكد أن الزوج قتل زوجته مرتين الأولى بإزهاق روحها،  وأخرى بالنيل من عرضها وشرفها “.

وتعجب من موقف الحماة حينما ادعت أنها شاهدت رجلين في غرفة المغدورة ، مضيفا: ” ليس من طبيعة الحموات السكوت عن أفعال زوجات أبنائهن وما جرى مجرد تشويه لسمعة المغدورة”.

وأكد  فارس أن أمر القتل كان مدبرا، وتم بعد عودة المغدورة لزوجها بأقل من شهر، لافتا إلى أن القتل بالسم من الظروف المشددة للحكم وبناء عليها يحصل المدان على أقصى عقوبة لما فيها من خداع للمجني عليه .

واعتبر أن الحكم الصادر بحق المتهم “رادع ويستحقه كونه أزهق روحا بريئة وخدعها بتناول العصير”.

ورد القاضي على التسريبات التي تدعي أن القاتل هي الزوجة الثانية، قائلا:” المتهم اعترف ولا يوجد شك في الفاعل ونحكم وفق البينات”.

ونصح القاضي الأزواج بتحكيم شرع الله وأن يتقوا أنفسهم في زوجاتهم، داعياً إلى تذكر لحظات الود والعشرة بينهما “ولو كانت قليلة حتى لا يشان أي منهما في سمعته وتحدث مشاكل لا تحمد عقباها”. حسب قوله.

شخصية القاتل

من ناحيته؛ قال الاخصائي النفسي د. اسماعيل ابو ركاب :” الجرائم الشاذة داخل المجتمع، نتيجة لأسباب اجتماعية و اقتصادية خاصة في شخصية القاتل تتفاعل مع بعضها وتؤول إلى الجريمة”.

وبحسب أبو ركاب فان العلماء ربطوا الناحية الاجتماعية والنفسية الشخصية للشخص الذي يرتكب الجريمة، موضحا أن قلة الاهتمام والتربية السيئة  تلعب دوراً في انتشار الجرائم لاسيما في العائلات الممتدة .

وأشار أبو ركاب إلى أن مرتكب الجريمة “شخص لا يمكنه تمييز ثقافة المجتمع، ويعاني خللاً وقصوراً في الجانب الفكري والإدراكي للناحية الاجتماعية”.

وحول الدافع الذي جعل الزوج يُقْدم على قتل زوجته واتهامها بشرفها دون شعور بالذنب، اعتبر الأخصائي النفسي أن ما حدث أمرا مخططا بينه وبين عائلته لتبرئته تجنبا لعقوبة الاعدام.

وقال: “إن حكم الإعدام الذي اتخذ بحق المتهم، رادع ولابد أن يضع القانون عقوبة بحق من شهد شهادة الزور”.

وعلى صعيد تأثر الطفلة ابنة المغدورة بالحادثة أوضح  أنها ستتراكم عليها العقد النفسية وستمر بتساؤلات في حياتها من قبل المحيطين بها لاسيما في حال غياب الرعاية .

رفيقي القارئ كثيرة هي القضايا التي رافقتني بها، فمنها ما أمتعك ومنها ما استفزك؛ لكن المهم أن تأخذ العبرة وتتصدى لكل شيطان مريد يبغي إيقاعك في مستنقعه الوحل.