عدالة الأحداث في فلسطين (قطاع غزة) خطوات عملية وتطلعات نحو الأفضل


علي خلة

بقلم الاستاذ/ علي محمد حسن خلة
عضو لجنة عدالة الاحداث

منذ تشكيل لجنة عدالة الأحداث في قطاع غزة بداية العام 2013 والمشكلة من النيابة العامة ووزارة الشؤون الاجتماعية والداخلية ومجلس القضاء الأعلى ومركز حل النزاعات , أخذت اللجنة على عاتقها العمل على تحسين أوضاع الاحداث الذين هم في خلاف مع القانون وذلك قبل إرتكاب الجرم وبعد ارتكابه وأثناء مرحلة القبض والتوقيف والتحقيق والمحاكمة و مرحلة ما بعد المحاكمة وبعد أول اجتماع للجنة بادر النائب العام د اسماعيل جبر إلى إصدار قراره القضائي رقم 25 /2013 إلى كافة أعضاء النيابة العامة بالمحافظات كافة بالإلتزام بالتالي
أولا :عدم استجواب أي حدث إلا بحضور مراقب السلوك وفي حالة عدم تواجده يصير التواصل معه لحضور الاستجواب .
ثانيا: عدم ايداع أي ملف للمحكمة إلا بعد إرفاق تقرير مراقب السلوك في الملف .
فأصبح الأن لزاما على أعضاء النيابة العامة الالتزام بهذه التعليمات القضائية الصادرة عن رئيس الضبطية القضائية كون أنهم يمثلون النائب العام في تحريك الدعوى الجزائية في كافة مراحلها.
ونحن نرى بأن النائب العام وفق بهذا الإجراء حيث أنه يتناسب مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لا سميا قواعد بكين لعام 1985 واتفاقيات حقوق الطفل و نصوص القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 وقانون الأحداث الساري المفعول في قطاع غزة رقم 2لسنة 1937وهذا القرار يعطي ضمانة أساسية ويوفر الدعم النفسي والمعنوي للحدث أثناء استجوابه وليشعر بالدعم النفسي والاجتماعي أثناء الإدلاء بأقواله ووجود مراقب السلوك بجانبه أثناء التحقيق معه.
وبعد هذا القرار قام النائب العام بعمل جولة تفتيشية وتفقدية لمؤسسة الربيع لرعاية الأحداث واطلع على ظروف توقيفهم وطبيعة التهم التي يواجهونها و مدة توقيفهم واطلع على البرامج التعليمة والمهنية التي يخضعون لها وتم بعد ذلك رفع كشف من مدير مؤسسة الربيع بأسماء 34حدث موقوفين منذ مدة وخضعوا لبرامج تربوية وعلاجية ويحتوى الكشف على نوع التهمة ومدة التوقيف وتوصيات مراقبي السلوك بالخصوص من خلال الاكتفاء بمدة التوقيف وربط الحدث بكفالة حسن سير وسلوك من والده وكفالة مالية في حالة عودته للجرم يغرم بها والده وبعضهم تحتوى التوصية على اسقاط التهمة والبعض ايداعه مصحة نفسية ولأول مرة النائب العام أعتمد هذه التوصيات وأصدر أوامره لوكلاء النيابة المترافعين لدي المحاكم الجزائية بتبني توصيات مراقبي السلوك أمام المحاكم من خلال الطلب من المحكمة الاكتفاء بمدة التوقيف أو اسقاط التهمة أو الايداع بمصحة علاجية أو الافراج عنه مع ربطه بكفالة مالية وتعهد من ولي أمره أو الابقاء عليه داخل المؤسسة لإتمام البرامج التربوية العلاجية والنفسية عليه , وأصدرت النيابة العامة اوامرها لمأموري الضبط القضائي بنموذج خاص باستجواب الحدث عند تفويض النيابة مأموري الضبط بالتحقيق والاتهام وضرورة حضور مراقبي السلوك أثناء استجواب الحدث وسيتم عمل لائحة بأسماء مراقبي السلوك وأرقام جولاتهم ليتسنى لمأموري الضبط التواصل معهم عند الحاجة.
وبعد ذلك التقت لجنة عدالة الأحداث بوكيل وزارة الشؤون الاجتماعية أ. عمر الدربي وطاقم العمل المهني والتربوي الذي يتعامل مع الاحداث وطلبنا منه توظيف أكبر عدد ممكن من مراقبي السلوك ليتم المتابعة للأحداث بشكل جيد من ناحية الوقاية من الجريمة قبل وقوعها ومن ناحية علاجية بعد ارتكاب الجريمة ولتفعيل قرار النائب العام بشكل مثالي ولتغطية جميع المحافظات وايضا طلبنا منه توسيع الطاقة الاستيعابية لمؤسسة الربيع للأحداث ووعد سيادته بالعمل على ذلك بأسرع وقت ممكن .
وقامت لجنة عدالة الاحداث بعقد لقاء مع المستشار عبد الرؤوف الحلبي رئيس المحكمة العليا ورئيس المجلس الأعلى للقضاء وطلبنا منه تفعيل قانون الاحداث رقم 2 لسنة 1937 من خلال تخصيص قاضي لنظر قضايا الاحداث داخل مؤسسة الربيع حيث أن قانون الأحداث الساري المفعول في غزة ينص على ضرورة انعقاد محكمة الاحداث في مكان ووقت يختلف عن مكان ووقت المحاكمة العادية للبالغين ويحب أن تكون جلسة المحاكمة سرية وتجنيب الأحداث إجراءات المحاكمة العادية , مع العلم أن النائب العام ووزير الشؤون الاجتماعية أرسلوا كتاب للمجلس الأعلى للقضاء بضرورة تخصيص قاضي للأحداث ,وأبدى سعادة المستشار رئيس المحكمة العليا استعداده لهذا المطلب وأنه سيقوم بتخصيص قاضي للأحداث في أقرب وقت وكإاجراء أولي عقدت محكمة البداية اولى جلساتها داخل مؤسسة الربيع في شهر أبريل 2014وحضر أعضاء نيابة غزة الكلية هذه الجلسة وتم البت في 12 قضية حدث داخل المؤسسة لأول مرة منذ عدة سنوات .
واستعدت مؤسسة أرض الانسان سويسرا “TDH” لتجهيز وتأثيت محكمة خاصة للاحداث داخل المؤسسة وشرعت بالتنفيذ وبإشراف المركز الفلسطيني لحل النزاعات وحضر رئيس المحكمة العليا ولفيف من قضاة المحكمة العليا ومحكمة البداية واطلعوا على المكان ووضعوا ملاحظاتهم اللوجستية وسيتم افتتاح المحكمة بداية شهر يونيو للعام 2014 وسيتم تخصيص قاضي يجلس داخل المؤسسة مع طاقم إداري متكامل وعضو نيابة يحضر الجلسات مع وجود مراقبي السلوك وهذا بداية الطريق لتجنيب الأحداث إجراءات المحاكمة التي يخضع لها المجرمون الذين لا ينطبق عليهم قانون الطفل الفلسطيني رقم 7لسنة 2004 ونأمل من سعادة النائب العام اصدار أوامره القضائية باستحداث نيابة خاصة بالأحداث بالتوازي مع تفعيل محكمة الاحداث .
وستقوم لجنة عدالة الاحداث بعمل لقاء مع مدير عام الشرطة ليتم طرح ألية مناسبة للتعامل مع الاحداث داخل مراكز الشرطة وتجنيبهم ألية التعامل معهم كالمجرمين البالغين من خلال تخصيص شرطي مؤهل لاستقبال الحدث والتعامل معه بناء على مصلحته الفضلى وطبيعة الجرم الذي ارتكبه حيث أن الأصل الإفراج عنه مع ربطه بكفالة وتعهد من ولي أمره لتأمين حضوره عند الطلب , و إن كان الجرم المرتكب من قبل الحدث جرم خطير أو أن الإفراج عنه قد يعرضه للخطر أو عدم وجود بيئة صالحة للاهتمام به ورعايته عند الإفراج عنه يقوم مأمور الضبط القضائي بإحالة الحدث فورا إلى مؤسسة الربيع موقوفا تحت اشراف مراقب السلوك الذي اعطاه قانون الطفل الفلسطيني رقم 7لسنة 2004 في المادة 51 صفة الضبطية القضائية ويتم عرضه بعد ذلك على وكيل النيابة المختص وبعد ذلك على قاضي الأحداث ليتم تمديد توقيفه حسب الأصول وهنا يخضع الحدث أثناء توقيفه لمعاملة خاصة تتناسب مع فئته العمرية ويخضع لبرامج تربوية وسلوكية ودروس دينية ويخضع لدورات عملية ومهنية من خلال ورش عمل معدة داخل المؤسسة لتعليمه حرفة , وتهدف هذه البرامج إلى إعادة ثقة الحدث بالمجتمع وإعادة دمجه فيه ولتعليمه حرفة ينتفع بها عند خروجه من المؤسسة في حالة تعذر عليه إكمال دراسته ليعود فردا صالحا في المجتمع.
هذا من ناحية علاجية بعد ارتكاب الجرم اما من ناحية وقائية
فالأحداث الذين يكونون مؤهلين لارتكاب الجريمة ولديهم بيئة خصبة لذلك فمن صلاحيات مراقب السلوك كمأمور ضبط أن يجلب أي حدث يلحظ عليه أنه قد يكون فريسة سهلة للوقوع في براثين الجريمة والانحراف وأن يقوم بجلبه وإخضاعه لبرامج توعية وتربوية ومهنية وأخد تعهدات على ولي أمره بأن يراعي طفله ويسمح بإكمال تعليمه الأساسي وإلا فسيتم تخيير الحدث والعائلة في أن يبقي بالمؤسسة لحين توفير عائلة بديلة له تحافظ عليه .
وفي اطار هذا الجهد نريد أن نضيف بأن مؤسسة أرض الانسان السويسرية “TDH” قامت بافتتاح مركز أمل المستقبل (منطقة الشيماء) في شمال قطاع غزة تعني بجلب الأطفال المشردين والذين لم يكملوا تعليمهم الأساسي ويتم التعامل معهم عبر أخصائيين نفسيين واجتماعيين وسلوكيين مدربين مؤهلين من خلال اعطاء الأحداث دروس تعليمية في عدد من المواد إن اجتازوها ليتم بعد ذلك إعادة دمجهم في المدارس وإن لم يجتازوها يتم إحالتهم لدى وزراه الشؤون الاجتماعية” مديرية التدريب المهني” ليتعلموا حرفة تساعدهم لكسب الرزق والاعتماد على انفسهم بدلا من أن يكونوا عالة وخطر كامن على المجتمع وهذا المشروع الأن يخدم الأطفال الاناث والذكور على حد سواء وبدون مقابل واستفاد منه أكثر من مئتي طفل ويمكن للمؤسسة استيعاب أي حدث ولكن فقط على نطاق محافظة شمال غزة وهي بيت حانون وبيت لاهيا ومعسكر جباليا وجباليا البلد والنزلة ونامل أن يتم توسعة هذا المشروع ليشمل أرجاء محافظات الوطن من خلال فروع منتشرة في كافة المحافظات لتقديم ذات الخدمات لكافة الأحداث
ونتطلع إلى اشراك وزارة التربية والتعليم بهذه المنظومة من خلال التعاون ما بين المرشدين السلوكيين في المدارس ومراقبي السلوك في وزارة الشؤون الاجتماعية للتعامل مع طلاب المدارس الذين يقومون بافتعال المشاجرات والاعتداءات على زملاءهم والذين يتكرر منهم هذه السلوكيات من حمل منشترات وادوات مؤذية وحالات الهروب المتكررة من المدارس هؤلاء يحتاجون إلى تظافر الجهود وتدخل مجتمعي لمنعهم من الانحراف والوقوع في براثين الجريمة والانحراف واخضاعهم لمنظومة التأهيل .
وأيضا نتطلع إلى إشراك وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذه المنظومة لدورها الكبير في مراكز تحفيظ القرأن الكريم المنتشرة في المساجد أثناء إجازة المدارس الصيفية حيث سجل ارتفاع ملحوظ في جرائم الاحداث أثناء اجازة المدارس الصيفية وذلك لعدم وجود خطط لاستغلال الإجازة بشكل أمثل والمسجد يمكن له استيعاب أكبر عدد ممكن من الاحداث في أنشطته هذا من ناحية وقائية .
أما من الناحية العلاجية يجب الزام الحدث الذي هو في خلاف مع القانون الانخراط في النشاط الخاص بالمساجد بشكل يومي وحفظ القرأن الكريم وتعلم السيرة النبوية وأخذ ندوات في الفقه والعقيدة والمعاملات مما يجعله انسان يحمل مبادئ سامية بين جوانحه تعدل طريقه وترشده إلى أنه انسان كرمه الله وتجعل في نفسه رادعا دينيا وضميرا يأنبه عند اقترابه من اقتراف أي جرم , وفي حالة عدم التزام الحدث بهذه البرامج وعدم امكانية السيطرة عليه يصير ارجاعه داخل المؤسسة لحين تأهيله واستخدام برامج اجبارية لحين تقويم سلوكه واعادة دمجه في المجتمع .
هذه هي المنظومة المتكاملة التي نسعى إلى تحقيقها والوصول اليها من خلال تظافر كافة العناصر السابقة .
وفي نهاية المطاف أدعوا إلى سن قانون أحداث عصري فلسطيني النكهة يأخذ في حسبانه المعطيات السالفة الذكر وأن يتفق مع الاتفاقيات الدولية وقواعد بكين لعم 1985واتفاقية هافانا واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989وقواعد الامم المتحدة بشأن حماية الأحداث والمجرمين لعام 1999ومبادئ الامم المتحدة لمنع جنوح الاحداث لعام 1999حيث أن الأحداث هم شباب المستقبل ورجال الغد وزهرة المجتمع فيجب أن يأخذ كل طفل حقه بمحاكمة عادلة للحفاظ على مصلحته الفضلى.
ويجب وأن ينص القانون الوطني صراحة على إنشاء واستحداث شرطة ونيابة وقضاء خاص بالأحداث .
وإن تعذر إقرار قانون بهذه المعطيات والأفكار السابقة
أدعو إلى توقيع اتفاقية بين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الفاعلة والتي لها احتكاك مباشر مع الاحداث وعلى رأسهم القضاء والنيابة والشرطة ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الاوقاف ومؤسسات المجتمع المدني المحلية والدولية وذلك لبناء حجر الأساس وللتعاون المستمر لإنجاح هذه المنظومة التي إن طبقت سوف نجني ثمارها بجيل صاعد ومستقيم مصداقا لقوله تعالى “أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ” أية 109 سورة التوبة